منتدى البصريات السودانى

مرحبا بك اخى الزائر فى المنتدى تظهر سجلاتنا بانك غير مسجل لدينا يرجى منك اتباع الخطوات للتسجل

واجهة للتواصل وتبادل العلم والمعرفه فى مجال البصريات (مفتوح للجميع)


رواية عرس الزين - الطيب صالح ( الجزء السادس )

شاطر
avatar
optometrest
Admin

عدد المساهمات : 54
تاريخ التسجيل : 19/09/2009
العمر : 61

رواية عرس الزين - الطيب صالح ( الجزء السادس )

مُساهمة من طرف optometrest في الأربعاء 23 سبتمبر 2009, 04:49

لم يحفل الإمام بأن الحنين ، وهو يمثل الجانب الخفي في عالم الروحانيات ( وهو جانب لا يعترف به الإمام ) كان هو السبب المباشر في توبة سيف الدين . معكسر ( الوسط ) ، جماعة محجوب لم يتأثر كثيرا ، فهم يعتبرون الواحة ، كالإمام سواء بسواء شرا لا بد منه ، ولم يكونوا يأبهون كثيرا إلى أن بعض شبان البلد يسكرون ، ما دام ذلك لا يؤثر على سيرة الحياة الطبيعي ، لا يتدخلون إلا إذا سمعوا أن شابا سكرانا تهجم على أنثى أو رجل من أهل الحي ، حينئذ يلجأون إلى أساليبهم الخاصة ، التي تختلف عن أساليب الإمام ، وفي تأييدهم لبقية الناس ، في محاولة تهديم الواحة ، لم يكونوا ينظرون إلى عملهم كما ينظر له الإمام محاولة لتغليب الخير على الشر . لا بل لأن زوال الواحة سيغنيهم عن متاعب عملية ، لا حاجة لهم فيها . المهم أن الإمام فرح بسيف الدين فرحا عظيما ، أصبح يذكره في خطبه ، يتكلم وكأنه يتحدث إليه شخصيا ، تراه خارجا داخلا معه . وقال أحمد إسماعيل لمحجوب مرة وهو يرى سيف الدين والإمام يمشيان معا ذراعا في ذراع : ( ود البدوي من الخدم للإمام ) .

وكان للإمام رأي في أمر زواج الزين من نعمة بنت الحاج إبراهيم .

ودخل محجوب دكان سعيد ، ووضع قطعة نقد على الطاولة فأخذها سعيد في صمت وانزل من الرف علبة سجاير بحاري ، ووضعها في يد محجوب ومعها الباقي قطع معدنية صغيرة ، أشعل محجوب سيجارة شدة منها نفسين أو ثلاثة ثم رفع وجهه إلى السماء وتمعن عليها دون إحساس ، كأنه قطعة أرض رملية لا تصلح للزراعة ، وقال فتور : " الثريا طلعت . وقت زراعة المريق " وظل سعيد مشغولا بتفريغ

علب من صناديق ووضعها على الرف بعد ذلك تحرك محجوب وجلس قبالة الدكان ، ليس على الكنبة ولكن على الرمل مكانهم المفضل ، حيث ضوء المصباح يمسهم بطرف لسانه . فإذا ماجوا في ضحكهم أحيانا تراقص الضوء والظل على رؤوسهم ، فكأنهم غرقى في بحر يغطسون ويطفون ، بعد ذلك جاء أحمد إسماعيل يجرجر رجلية كعادته ، واستلقى بظهره على الرمل قريبا من محجوب دون أن يقول شيئا ، ثم جاء عبد الحفيظ وحمد ود الريس ، وكانا يضحكان لم يسلما على صديقهما ، وهذان لم يسألاهما عن سر ضحكهما ذلك شيء آخر في تلك الفئة . كانوا يعلمون ، بطريقة ما ، ما يدور في ذهن كل منهم دون سؤال ، وقال محجوب بعد أن بصق على الأرض : " أنتو لسع في حكايات سعيد البوم " ؟ كان أحمد إسماعيل قد انقلب على بطنه فقال وكأنه يحدث الرمل " " لازم المره عاوزه تطلقه " . وقال عبد الحفيظ في مرح ، أن زوجة سعيد البوم جاءته في الحقل وقالت له وهي تبكي أنها تريد أن تطلق من سعيد . ولما سألها عن السبب قالت له أن سعيد كلمها كلاما قاسيا في الليلة الماضية وقال لها امرأة " جيفة " - هكذا لأنها لا تتعطر ولا تنزين كبقية النساء . ولما قارعته الكلام ، صفعها على وجهها وقال لها : " امشي اخدي دروس من بنات الناظر " . وكان الطاهر الرواسي قد وصل أثناء ذلك وجلس في هدوء في المكان والذي لا يصله النور من بقعة الرمل . ضحك وقال : " المسنوح يمكن قايل للناظر بيعرس له واحده من بناته " . وقال عبد الحفيظ أنه طيب خاطر المرأة ودورها إلى بيتها وقال لها أنه سيجيئهم ليكلم سعيد وفعلا غدا إليهما وقت الظهيرة . لكنه تريث عند باب الدار ، فقد وجده مغلقا ، وسمع داخله ضحكات سعيد وزوجته ، ضحكات هنيئة منشرحة ، وسمع سعيد يقول لزوجته ، وكأنه يعض أذنها : " ابكي يا خيتي ابكي " . وضحكوا كلهم : كل واحد منهم على طريقته : أحمد إسماعيل يكركر بضحك يزمجر بين بطنه وصدره . ومحجوب يضحك في فمه ويحدث طقطقة بلسانه ، وعبد الحفيظ يضحك كالطفل . وحمد ود الريس يضحك بجسمه كله ، وخاصة رجلية والطاهر الرواسي يمسك رأسه بجماع يديه حين يضحك ، وكان سعيد في دكانه ، فضحك ضحكته الخشنة التي تشبه صوت المنشار في الخشب ، وقال محجوب : " المسنوح كيفن قدر في الحردا ؟ " .

واستمر حديثهم هكذا حديث منقطع تتخلله فترات صمت . ولم يكن صمتهم ثغرات في الحديث بقدر ما كان امتدادا له ، يقول أحدهم جملة مبتورة : " ... ما عنده فهم " ويقول الآخر : " ... الفاضي يعمل قاضي " . ويضيف الآخر : " ... زمان قلنا لكم طلعوه من اللجنة قلتولا " . ويقول الآخر : " ... بإذن الله دي آخر سنة ليه " . ولا يدري الغريب عنهم عمن يتكلمون . لكن ذلك شأنهم ، يتحدثون وكأنهم يفكرون جهارا ، وكأن عقولهم تتحرك في تناسق ، وكأنهم بشكل أو بآخر عقل كبير واحد يمضي الحديث رتيبا مثل هذا ، ثم يذكر أحدهم عرضا جميلة أو حادثة تثير خيالهم جميعا في وقت واحد ، وفجأة تسرى فيهم الحياة فكأنهم كومة قش أشعلت فيها النار ، يستوي جالسا الذي كان راقدا على ظهره ، ويضم الآخر ذراعيه على ركبتيه ويقترب الذي كان جالسا بعيد إلا . ويخرج سعيد من دكانه ، يقتربون بعضهم من بعض حينئذ . كأنهم يتحركون نحو تلك النقطة ، ذلك الشيء في الوسط الذي يسعون إليه جميعا يميل محجوب إلى الإمام ، وتنغرس يدا أحمد إسماعيل في الرمل ، ويضغط ود الريس بيديه على رقبته . هذه هي اللحظة التي تلمحهم فيها ، بين النور والظلام ، وكأنهم غرقى في بحر ، وأحيانا يحتدون في كلامهم ، يتشاجرون ، تخرج الكلمات من أفواههم كأنما قطع من الصخر ، تتقاطع جملهم ، يتحدثون في آن واحد ، ترتفع أصواتهم ، في مثل هذه الحالات يظن الغريب عنهم أنهم غلاظ الطبع ، لهذا تختلف الآراء عنهم ، حسب اللحظات التي يراهم فيها الناس ، بعض أهل البلد يعتبرونهم صامتين قليلي الكلام ، لأنهم يصادفونهم في إحدى تلك الحالات ، حين يقف حديثهم عند " آ " و " أو " و " لا " و " نعم " . وبعض الناس يقولون عنهم أنهم " ضحاكون " كالأطفال ، لأنهم صادف أن وجدوهم في إحدى حالات غرتهم ، ويحلف موسى البصير أنه زامل محجوب إلى السوق - مسافة ساعتين بالحمار - فلم يقل له كلمة واحدة . كان الناس يبتعدون عن مجالسهم ، لأنهم حينئذ يحسون إحساس الغريب ، وكانوا هم يفضلون ألا يكون بينهم غريب ، كانوا كأنهم توائم ، ولكن إذا عاشرتهم مدة تدرك الاختلافات التي تجعل كلا منهم فردا قائما بذاته .

أحمد إسماعيل بحكم سنة ، كان أميلهم إلى المرح ولم يكن يبالي إذا انتشى بالخمر في المناسك ، وكان أحسنهم رقصا في الأعراس وعبد الحفيظ كان أكثرهم مجاملة للناس الذين لا يفكرون مثل تفكير " العصابة " ، كما كانوا يسمون أنفسهم ويسميهم الناس ، كان هو الذي ينبههم إلى أن ابن فلان تزوج ، وفلانا مات أبوه ، وفلانا عاد من السفر ( من سكان الأحياء البعيدة عن حيهم ) فيذهبون جماعة في الغالب للتهنئة أو للتعزية ، وكان أحيانا يذهب للمسجد للصلاة ويحاول ألا يقول لهم ، وكان الطاهر الرواسي أقربهم إلى الغضب وأسرعهم إلى إمساك عصاه ، أو سحب سكينة في أوقات " الزنقة " ، وكان سعيد أحسنهم في محاجبة الحكام ، يسمونه " القانون " . وكان حمد ود الريس ذا أذن حساسة لأخبار الفضائح يجمعها من أطراف البلد ، من الأحياء البعيدة . ويلقيها عليهم في أوقات معينة في مجالسهم .

وكانوا يندبونه في الغالب لمعالجة مشاكل النسوان في البلد . وكان محجوب أعمقهم وأنضجهم . كان مثل الصخرة المدفونة تحت الرمل . تصطدم بها إذا عمقت في حفرك . وكانت صلابته تظهر في الأزمات الحقيقة : حينئذ يصير " ريس المركب " ، يأمر وهم ينفذون . جاءهم مرة مفتش جديد للمركز اجتمعوا به مرة ومرتين . تحدثوا إليه ، وتناقشوا معه . ثم قرروا فيما بينهم أنه غير صالح . وبعد شهر تأزمت الأمور ، فقد قال المفتش لبعض الناس أن " عصابة محجوب " تسيطر على كل شيء في البلد : فهم أعضاء في لجنة المستشفى ، ولجان المدارس ، وهم وحدهم لجنة المشروع الزراعي ووصل إليهم أن المفتش قال : " ما فيش في البلد رجال غير الجماعة دول ؟ " لما تشاوروا في الأمر بينهم ، كانوا أميل إلى الرضوخ للمر الواقع ، وبعضهم عرض أن يستقيل من عضوية اللجان التي هو فيها ، ولكن محجوب قال : " ما في إنسان يتحرك من مكانه " ثم لم يلبث المفتش غير شهر آخر حتى نقل كيف تم ذلك ؟ لمحجوب أساليبه الخاصة . في الحالات القصوى .

    الوقت/التاريخ الآن هو السبت 16 ديسمبر 2017, 23:00