منتدى البصريات السودانى

مرحبا بك اخى الزائر فى المنتدى تظهر سجلاتنا بانك غير مسجل لدينا يرجى منك اتباع الخطوات للتسجل

واجهة للتواصل وتبادل العلم والمعرفه فى مجال البصريات (مفتوح للجميع)


رواية عرس الزين - الطيب صالح ( الجزء الثامن )

شاطر
avatar
optometrest
Admin

عدد المساهمات : 54
تاريخ التسجيل : 19/09/2009
العمر : 62

رواية عرس الزين - الطيب صالح ( الجزء الثامن )

مُساهمة من طرف optometrest في الأربعاء 23 سبتمبر 2009, 04:57



زغرودة منفردة ثم مجموعة زغاريد ، ثم طبل وحيد يهمهم ، ثم طبول كثيرة لأصواته أصداء . لوح الرجال بأيديهم وهزوا بالعصي والسيوف . وأطلق العمدة من بندقيته خمس طلقات . وقالت آمنة لسعدية : " الأمة دي إن شاء الله تقدروا تكفوها " . ولم تقل سعدية شيئا .

نحرت الإبل ، وذبحت الثيران . ووكئت قطعان من الضأن على جنوبها . كل أحد جاء أكل حتى شبع وشرب حتى أرتوى .

وكان الزين يبدو مثل الديك ، لا بل أجمل ، مثل الطاووس ، ألبسوه قفطانا من الحرير الأبيض ومنطقوه بحزام أخضر ، وعلى ذلك كله عباءة من المخمل الأزرق ، فضفاضة يملأها الهواء فكأنها شراع , وعلى رأسه عمامة كبيرة تميل قليلا إلى الإمام ، وفي يده سوط طويل من جلد التمساح . وفي اصبعه خاتم من الذهب ، يتوهج في ضوء الشمس نهارا ويلمع تحت وهج المصابيح بالليل ، له فص من الياقوت ، في هيئة رأس الثعبان ، كان منتشيا دون شرب من الضجة الكبيرة التي تضج حوله . يبتسم ويضحك يدخل ويخرج بين الناس يهز بالسوط ، ويقفز في الهواء يربت على كتف هذا ، ويجر هذا من يده ، ويحث هذا على الأكل ، ويحلف على هذا بالطلاق أن يشرب ، وقال له محجوب :" دحين أصبحت بني آدم ، حلفتك بالطلاق يا دوب أصبح ليها مغنى " .

جاء تجار البلد وموظفوها ووجهاؤها وأعيانها . وحضر أيضا الحلب المرابطون في الغابة .

جيء بأحسن المغنيات وأحسن الراقصات ، ضاربات الدف وعازفي الطنابير وأخذت فطومة ، وكانت أشهر مغنية غربي النيل تشدو بصوتها المثير :


انطق يا لسان جيب المديح أقداح

الزين الظريف خلا البلد أفراح




وجرجروا الزين وأدخلوه عنوة حلبة الرقص . فهز بسوطه فوق المغنية ووضع على جبهتها ورقة جنيه ، وتفجرت الزغاريد مثل الينابيع .

اجتمعت النقائض تلك الأيام . جواري الواحة غنيين ورقصن تحت سمع الإمام وبصره . كان المشايخ يرتلون القرآن في بيت ، والجواري يرقصن ويغنين في بيت المداحون يقرعون الطار في بيت ، والشبان يسكرون في بيت ، كان فرحا كأنه مجموعة أفراح . وكانت أم الزين ترقص مع الراقصين ، وتنشد مع المنشدين ، تقف هنيهة تستمع للقرآن ، ثم تهرول خارجة إلى حيث يطهى الطعام تحث النساء على العمل ، وتجري من مكان إلى مكان وهي تنادي : " أبشروا بالخير ، أبشروا بالخير " .

وقالت حليمة ، بائعة اللبن ، تغيظ آمنة : " أريته يا يم عرس السرور " .

نقرت " الدلاليك " نقرات نشيطة متحفزة دقات الدليب وغنت فطومة :


التمر البيمرق بدري

سارق نومي شاغل فكري




وقف الرجال في دائرة كبيرة تحيط بفتاة ترقص في الوسط ، ثوبها انحدر عن رأسها ، وصدرها بارز للأمام ، ونهداها نافران . ترقص كما تمشي الأوزة . ذراعاها إلى جانبيها تحركهما في تناسق مع رأسها وصدرها ورجليها ، ويصفق الرجال ويضربون الأرض بأرجلهم ، ويحمحمون بحلوقهم ، وتضيق الدائرة على الفتاة ، فترمي شعرها الممشط المعطر على وجه أحدهم ، ثم تتسع الدائرة . وتتماوج الزغاريد ، ويشتد التصفيق ، ويقوى وقع الأرجل على الأرض ، ويخرج الغناء سلسا ملحنا من حلق فطومة :


الزول السكونة فشابي

طول اليل عليه بشابي




وانتشى إبراهيم ود طه من الغناء فصاح : " آه . قولي كمان الله يرضى عليك " .

رقصت عشمانة الطرشاء . وصفق موسى الأعرح ، ولم تلبث دقات الدلاليك أن أبطأت وأصبح لها أزير مكتوم ، هذه نقرات الجابودي . وقويت حمحمة الرجال في حلوقهم ، ودخلت سلامة حلبة الرقص ، صالت وجالت ، وهي تزهو تختال مثل المهرة . كانت خير من يرقص الجابودي . وكان لها معجبون كثيرون ، ترقبها عيونهم فتنفلت منه كالسمكة في الماء . كثفت حلقة الرقص ، واشتد التصفيف . وهدرت أصوات الرجال ، ودخل الزين الحلبة ، دخل من تلقاء نفسه هذه المرة . طويلا فوق سلامة ، فلطمته بشعرها الطويل المنهدل فوق كتفيها ، وغمزته بعينها . وكان الإمام جالسا مع جماعة ، في ديوان حاج إبراهيم الذي يشرف على فناء الدار ، فحانت منه التفاته ، ووقعت عينه على سلامة وهي منهمكة في رقصها ، ورأى صدرها البارز ، ورأى كفلها الكبير ، حين تضرب برجلها يهتز ويترجرج منقسما إلى شقين كأنهما نصفا بطيخة ، بينهما واد هبط فيه الثوب ، وكانت سلامة في رقصها قد انثنت حتى أصبح جسمها في شكل دائرة . فمس شعرها الأرض ، وزاد بروز صدرها ، ونتوء كفلها ، ورأى الإمام ساقها اليمنى وجزءا من فخذها الممتلئ .وقد رفع عنه الثوب . وحين عاد الإمام بوجهه إلى محدثه . كانت عيناه مريدين مثل الماء العكر .

" اييييييويا " .

هذه حليمة بائعة اللبن ، تزغرد طعما في خير تناله من أهل العرس ، وتحولت دقات الدلاليك إلى العرضة . دقتان سريعتان وأخرى منفردة . وأخذ الرجال يرمحون بأقدامهم كما تخب الخيل . وتقاطر عرب القوز على حلبة الرقص ، فتواثبوا وتصايحوا وطرقعوا بأسواطهم . رجال قصار القامات مشدود العضلات ، أجسامهم ريانة ندية في مثل لون الأرض لأنهم يعيشون على لبن الإبل ولحم الغزلان يلبس الواحد منهم ثوبا يريطه في وسطه ويلقي طرفيه على كتفيه . إذا قفز في الهواء لمع جسمه في ضوء الشمس ، يلبسون في أرجلهم أخفافا وفي ذراع كل منهم سكين في غمده . وتختلط أصوات الراقصين وضربات الدلاليك بدقات الطار ونشيد المداحين في البيت المجاور . هناك ممسك بالطار أحدهما الكورتاوي وعميد المداحين . كان يقول :


نعم العبا وروح

بي سهل الفريش شاف




العلم لوح زار جد الحسين "

وتدمع أعين الناس ، وبعضهم يجهش بالبكاء ، خاصة الذين حجوا وزاروا مكة والمدينة والأماكن التي يصفها المادح .

ويمضي الرجل يهرج ، في صوت له بحة اشتهر بها :







    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 17 يناير 2018, 16:55