منتدى البصريات السودانى

مرحبا بك اخى الزائر فى المنتدى تظهر سجلاتنا بانك غير مسجل لدينا يرجى منك اتباع الخطوات للتسجل

واجهة للتواصل وتبادل العلم والمعرفه فى مجال البصريات (مفتوح للجميع)


رواية عرس الزين - الطيب صالح ( الجزء الرابع)

شاطر
avatar
optometrest
Admin

عدد المساهمات : 54
تاريخ التسجيل : 19/09/2009
العمر : 61

رواية عرس الزين - الطيب صالح ( الجزء الرابع)

مُساهمة من طرف optometrest في الأربعاء 23 سبتمبر 2009, 04:43



وكان حاج إبراهيم عند حسن ظنه . لكن الناظر في قراره نفسه ، على الرغم من اقتناعه بخطئة ، لم يستطع أن يتخلص من الطعم المر في حلقه ، ولما سمع بأنها ستزف للزين دون سائر الناس أحس ، الخنجر ينغرس أكثر في قلبه ، وذعر الناظر قليلا حين سمع عبد الصمد يقول له : ( جنابك ما تزعل أبدا ، إذا كنت عاوز تعرس . البلد مليانة نسوان عزبات ، المطلقة والراجلها مات أجمل نسوان علي باليمين ) .

وهنا ثار الناظر فعلا . انصب حنقه الداخلي كله على عبد الصمد : ( يا رجل أنت مجنون ؟ أنت ما تعرف تفرق بين الجد والهزار ؟ ما أنت راجل اونطة صحيح ! ) .

وقهقهة عبد الصمد بلذة عميقة ، فقد نجح في استثارة الناظر ، أنه يتصيد هذه الفرص ، لعل الذي آلمه في الموضوع ذكر النساء الثيبات ! وقال شيخ علي يزيد النار اشتعالا : ( يعني جناب الناظر لما يحب يتزوج فوق أم أولاده . يتزوج نسوان سكندهاند ؟ أما فعلا يا حاج عبد الصمد أنت راجل اونطة صحيح ) .

وتمسك عبد الصمد بكلمة ( سكندهاند ) يغيظ بها علي هذه المرة : ( قت شنو آشيخ علي ؟ سكن دهان ؟ والله عجايب ! عشنا وشفنا علي ود الشايب يتكلم الأفرنجي ) .

وضحك الناظر بإفراط محاولا قدر المستطاع تحويل الهجوم عن شخصه إلى شخص شيخ علي ، لكن شيخ علي كان عليما بنزوات عبد الصمد وحركات الناظر فتجاهل هجوم عبد الصمد وعاد بالحديث إلى موضوع زواج الزين : ( المهم زي ما قلنا العرس مو قاسي . والراجل راجل وأن كان بي رياله والمره مره وأن كانت شجرة الدر ) .

تعجب الناظر في سره كيف عرف شيخ علي اسم شجرة الدر . ووقع الاسم موقعا حسنا على أذن عبد الصمد وكان جاهلا به لكنه تحرج من السؤال مخافة أن يفضح جهله . ومضى شيخ علي يعدد لهما أسماء الرجال الذين لم يكن لهم شأن يذكر ومع ذلك تزوجوا نساء بارعات الذكاء مفرطات الحسن . استحوذ على اهتمام خصميه مدة غير قليلة من الزمن . وغمرته السعادة وهو يرى الدهشة والإعجاب يبدوان على وجهيهما . ذكرهما بقصة كثير الذي أحبته عزة على قصره وبشاعة هيئته . وقصة الأعرابية التي سألوها كيف تزوجت رجلا جلفا قميئا فقالت لهم ( والله لو .. إلخ ) وكاد الناظر وعبد الصمد يستلقيان على ظهريهما من الضحك حين سمعا ما قالته الأعرابية . ثم أشار إلى قبيلة الإبراهيمات الذين انحدروا جميعا من صلب رجل درويش يدعى إبراهيم أبو جبة ، وكيف أنه .. لكن عبد الصمد ضاق ذرعا بطلاوة لسان شيخ علي ، فقاطعه بشيء من الحدة قائلا : ( أنت رايح بعيد ليه لي كثير عزة وقبيلة الأبراهيمات ؟ عند سعيد البوم .. ماك طاري حكاية عرسه ؟ ) ابتسم الناظر ، فقد كان بينه وبين سعيد البوم مدة خاصة ، أم لعله كان يستغل سعيد في جلب الحطب والماء لبيته ؟ وكان سعيد يبيع حطب الوقود ويخدم في البيوت ، ويدخر ماله عند الناظر ، ولما أراد الزواج جاء إلى الناظر واستشاره ، وتباهى بعد ذلك أن الناظر في جلالة قدره شهد عقد زواجه . كل أحد في البلد يعرف قصة زواج سعيد ، وأنه عاش مع زوجته قريبا من الحلول لا يمسها وكادت تيأس وتطلقه وكان سعيد يقول إذا سألوه عن سبب إبطائه : ( التررن بالمهلة ) . لكنه فيما بعد على أي حال أولدها أولاد وبنات .

وفجأة لمح الناظر في خياله وجه نعمة ، ومرة أخرى أحس بالخنجر يتحرك في قلبه ، فقال وكأنه لم يسمع كل القصص التي قصها عليه شيخ علي وحاج عبد الصمد : ( لكين تتزوج الزين ؟ دا اسمه كلام يا رجل ؟ والله عجايب ! )

تأثر أمام المسجد أيضا بالحوداث العجيبة التي شهدتها القرية ذلك العام . كان رجلا ملحاحا متزمتا كثير الكلام ، في رأي أهل البلد . كانوا في دخيلتهم يحتقرونه ، لأنه كان الوحيد بينهم الذي لا يعمل عملا واضحا - في زعمهم . لم يكن له حقل يزرعه ولا تجارة يهتم بها ولكنه كان يعيش من تعليم الصبيان له في كل بيت ضريبة مفروضة ، يدفعها الناس عن غير طيب خاطر ، وكان يرتبط في أذهانهم بأمور يحلو لهم أحيانا أن ينسوها : الموت والآخرة والصلاة فعلق على شخصه في أذهانهم شيء قديم كئيب مثل نسيج العنكبوت ، إذا ذكر اسمه خطر على بالهم تلقائيا موت عزيز لديهم ، أو تذكروا صلاة الفجر في عز الشتاء ، وما يرتبط بذلك من وضوء بالماء البارد يشقق الرجلين ، وخروج من الفراش الدافئ إلى لفح الصقيع وسير في غبش الفجر إلى المسجد . هذا إذا كان الواحد منهم يذهب بالفعل إلى الصلاة . أما إذا كان مثل محجوب ، وعبد الحفيظ ، وأحمد إسماعيل ، والطاهر الرواسي ، وحمد ود الريس ، من النفر " العصاة " الذين لا يصلون ، فإنه يحس كل صباح بإحساس غامض يثير القلق ، من نوع الإحساس الذي يحسه الواحد منهم إذا نظر خلسة إلى امرأة جاره ، ويقول لك محجوب إذا سألته عن إمام المسجد أنه " راجل صعب . لا يأخذ ولا يدي " معنى ذلك أنه لم

يكن يسايرهم أو يخوض معهم في أحاديثهم - لم يكن يعنيه ، كما يعنيهم ، أوان زراعه القمح وسبل ريه وسماده وقطعه أو حصاده . لم يكن يهمه هل موسم الذرة في حقل عبد الحفيظ نجح أم فسد ، وهل البطيخ في حقل ود الريس كبر أم صغر ؟ كم سعر أردب الفول في السوق ؟ هل هبط سعر البصل ؟ لماذا تأخر لقاح النخل ؟ كانت تلك أمور ينفر منه بطبعه ويحتقرها بسبب جهله بها . ومن ناحية أخرى ، كان هو يهتم بأمور لا يأبه لها إلا القليلون من البلد . كان يتتبع الأخبار من الإذاعة والصحف ويحب أن يناقش هل ستقوم الحرب أم لا ؟ هل الروس أقوى أم الأمريكان ؟ ماذا قال نهرو وماذا قال تيتو ؟ وكان أهل البلد مشغولين بجزئيات الحياة ، لا تعنيهم عمومياتها . وهكذا نشأت الهوة بينه وبينهم لكنهم إن لم يحبوه ، فقد كانوا يعترفون بحاجتهم إليه . يعترفون مثلا بعلمه ، فقد قضى عشر سنوات في الأزهر ، يقول الواحد منهم : " الإمام ما عنده شغلة " . ثم يضيف : " لكن الحق لسانه فصيح كلام " كان يلهب ظهورهم في خطبه . وكأنه ينتقم لنفسه منهم . بكلام متدفق فصيح عن الحساب والعقاب ، والجنة والنار ، ومعصية الله والتوبة إليه ، كلام ينزل في حلوقهم كالسم . يخرج الرجل من المسجد بعد صلاة الجمعة زائغ العينين ويحس وهلة كأن سير الحياة قد توقف ينظر إلى حقله بما فيه من نخل وزرع وشجر ، فلا يحس بأي غبطة في نفسه . يحس أنها جميعا عرض زائل ، وأن الحياة التي يحياها بما فيها من فرح وحزن ، ما هي إلا جسر إلى عالم آخر . ويقف برهة يسأل نفسه ماذا أعد لذلك العالم الآخر ؟ لكن جزئيات الحياة ما تلبث أن تشغل فكره : وسريعا أسرع مما كان يتوقع تغيب صورة العالم الآخر البعيد ، وتأخذ الأشياء أوضاعها الطبيعية . وينظر إلى حقله فيحس مرة أخرى بذلك الفرح القديم الذي يعطيه مبررات وجوده . ومع ذلك فأكثرهم يعودون إليه في كل مرة ليجربوا نفس الصراع الغامض . يعودون إليه لأن صوته قوي واضح وهو يخطب . عذب رخيم وهو يرتل القرآن ، مهيب حين يصلي على الأموات ، حازم عليم ببواطن الأمور وهو يقوم بعقود الزواج . وكانت في عينيه نظرة احتقار وترفع يحس الواحد منهم وقعها حين يفقد ثقته بنفسه ، كان مثل الضريح الكبير وسط المقبرة .

وكانت البلد منقسمة إلى معسكرات واضحة المعالم إزاء الإمام ( لم يكونوا أبدا ينادونه باسمه ، فكأنه في أذهانهم ليس شخصا بل مؤسسة ) . معسكر أغلبه من الرجال الكبار العقلاء يتزعمه حاج إبراهيم . أبو نعمة ، يعامل الإمام معاملة ود يشوبه تحفظ هؤلاء كانوا يحضرون كل الصلوات في المسجد ويبدو على وجوههم على الأقل أنهم يفهمون ما يقول . يدعونه إلى الغداء كل يوم جمعة بعد الصلاة كل واحد منهم يدعوه يوما بالتناوب . كانوا يدفعونه إليه بصدقة الفطر في عيد رمضان ، ويعطونه جلود الذبائح في عيد الأضحى إذا تزوج أحد أبنائهم أو بناتهم ، أعطوه حقه نقدا ومعه رداء أو ثوب . شذ عن هذا الفريق رجل في السبعين اسمه إبراهيم ود طه . لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يعترف بوجود الإمام والفريق الثاني . وأغلبه من الشبان دون العشرين يعادي إمام المسجد عداءا سافرا . بعضهم تلاميذ في المدارس . وبعضهم سافر وعاد، وبعضهم يحس على أي حال بفيض الحياة حارا قويا في دمه فلا يحفل برجل صناعته تذكير الناس بالموت . هذا كان فريق المغامرين - منهم من يشرب الخمر سرا ويلم خفية بالواحة في طرف الصحراء - . وفريق المتعلمين الذين قرأوا أو سمعوا بالمادية الجدلية ، وفريق المتمردين ، وفريق الكسالى الذين يصعب عليهم الوضوء في الفجر في عز الشتاء . ومن عجب أن زعيم هذه الفئة كان إبراهيم ود طه ، الرجل الذي جاوز السبعين ، لكنه كان يقرض الشعر ، والفريق الثالث ، وقد كان أكثر المعسكرات وزنا فريق محجوب وعبد الحفيظ والطاهر الرواسي وحمد ود الريس وأحمد إسماعيل وسعيد .
كانوا متقاربي الأعمار ، بين الخامسة والثلاثين والخامسة والأربعين ، إلا أحمد إسماعيل فقد كان في العشرين لكنه بحكم مسؤوليته وطريقة تفكيره كان واحدا منهم . هؤلاء كانوا الرجال أصحاب النفوذ الفعلي في البلد . كان لكل واحد منهم حقل يزرعه ، في الغالب أكبر من حقول بقية الناس ، وتجارة يخوض فيها . كان لكل واحد منهم زوجة وأولاد . كانوا الرجال الذين تلقاهم في كل أمر جليل يحل بالبلد . كل عرس هم القائمون عليه . كل مأتم هم الذين يرتبونه وينظمونه .


    الوقت/التاريخ الآن هو السبت 16 ديسمبر 2017, 23:02