منتدى البصريات السودانى

مرحبا بك اخى الزائر فى المنتدى تظهر سجلاتنا بانك غير مسجل لدينا يرجى منك اتباع الخطوات للتسجل

واجهة للتواصل وتبادل العلم والمعرفه فى مجال البصريات (مفتوح للجميع)


رواية عرس الزين - الطيب صالح ( الجزء الثانى )

شاطر
avatar
optometrest
Admin

عدد المساهمات : 54
تاريخ التسجيل : 19/09/2009
العمر : 62

رواية عرس الزين - الطيب صالح ( الجزء الثانى )

مُساهمة من طرف optometrest في الأربعاء 23 سبتمبر 2009, 04:13

[b]قصاها إلى أقصاها . وحملته قدماه يوما إلى فريق القوز لغير سبب فحام حول البيوت كأنه يبحث عن شيء ضاع منه . وخرجت فتاة راع الزين جمالها فتسمر في مكانه . وكانت الفتاة قد سمعت به ، فإن شهرته وصلت حتى عرب القوز ، فضحكت له وقالت تعبث به : " الزين ، بتعرسني ؟ " وتبكم برهة ، فقد فتنه جمال الفتاة وأخذته حلاوة حديثها , لكنه ما لبث أن صاح بأعلى صوته : " واكتلتي يا ناس ". وامتدت رؤوس كثيرة من أبواب البيوت وبين فرجات الخيام ، وصاحت أم الفتاة : " حليمه الموقفك شنو مع الدرويش دا ؟" وهب إخوان الفتاة على الزين ، ففر منهم ، ولكن حليمة ، حسناء القوز ، أصبحت فيما بعد هوسا عنده ، لم يفارقه إلى أن تزوجت الفتاة ، فقد تسامع الناس بها وجاء كثيرون من أثرياء البلد وشبانه المرموقين ووجهائها يخطبونها من أبيها ، وتزوجها آخر الأمر ابن القاضي .
***
كان زواج بنت العمدة وزواج حليمة نقطة تحول في حياة الزين . فقد فطنت أمهات البنات إلى خطورته ، كبوق يدعين به لبناتهن في مجتمع محافظ ، تحجب فيه البنات عن الفتيان ، أصبح الزين رسولا للحب ، ينقل عطره من مكان إلى مكان ، كان الحب يصيب قلبه أول ما يصيب ثم ما يلبث أن ينتقل منه إلى قلبه غيره ، فكأنه سمسارا أو دلال أو ساعي بريد ينظر الزين بعينيه الصغيرتين كعيني الفأر ، القابعتين في محجرين غائرين ، إلى الفتاة الجميلة ، فيصيبه منها شيء - لعله حب ؟ وينوء قلبه الأبكم بهذا الحب ، فتحمله قدماه النحيلتان إلى أركان البلد ، يجري ها هنا وها هنا كأنه كلبة فقدت جراءها ، ويلهج لسانه بذكر الفتاة ويصيح باسمها حيثما كان ، فلا تلبث الآذان أن ترهف ، وما تلبث العيون أن تنبه ، وما تلبث يد فارس من بينهم أن تمتد فتأخذ يد الفتاة . وحين يقام العرس ، تفتش عن الزين ، فتجده أما مسخرا يا القلل والأزيار بالماء أو واقفا في منتصف الساحة عاري الصدر . في يده فأس يكسر به الحطب أو بين النساء في المطبخ يعابثهن ، ويعطينه من آن لآخر قطعا من الطعام يملأ بها فمه ، وما يفتأ يضحك ضحكته التي شبه نهيق الحمار ، وتبدأ قصة حب أخرى .. وكان الزين يخرج من كل قصة حب كما دخل ، لا يبدو عليه تغيير ما. ضحكته هي هي لا تتغير وعبثه لا يقل بحال . وساقاه لا تكلان عن حمل جسمه إلى أطراف البلد .
ووفدت على الزين سنوات خصب مفعمة بالحب . فقد أصبحت أمهات البنات يخطبن وده ويستدرجنه إلى البيوت فيقدمن له الطعام ، ويسقينه الشاي والقهوة ، يدخل الزبن الدار من تلك الدور . فيفرش له السرير ، ويقدم له الفطور أو الغداء في صينية وأوان ، ويؤتى بعد ذلك بالشاي السادة بالنعناع إذا كان الوقت ضحى ، والشاي الثقيل باللبن إذا كان الوقت عصرا . وبعد الشاي يؤتى بالقهوة بالقرفة والحبهان والجنزبيل ، سواء كان الوقت ضحى أو عصرا وما يسمع النساء أن الزين في دار قريبة حتى يتقاطرن عليه ، والسعيدة منهن من تقع في قلبه موقعا ، والتي يخرج واسمها على فمه ، تلك الفتاة تضمن زوجا في خلال شهر أو شهرين . ولعل الزين ، بفطرة فيه ، أدرك خطورة مركزه الجديد ، فأصبح يتدلل على أمهات البنات ويتردد قبل أن يجيب دعوة إحداهن للإفطار أو للغداء .
كل هذا وفي الحي فتاة واحدة لا يتحدث الزين عنها ، ولا يعبث معها ، فتاة تراقب من بعد بعيون حلوة غاضبة ، كلما رآها مقبلة يصمت ويترك عبثه ومزاحه ، وإذا رآها من بعد فر من بين يديها وترك لها الطريق .
وروجت أم الزين أن ابنها ولي من أولياء الله . وقوي هذا الاعتقاد صداقة الزين مع الحنين . كان رجلا صالحا منقطعا للعبادة ، يقيم في البلد ستة أشهر في صلاة وصوم ، ثم يحمل إبريقه ومصلاته ويضرب مصعدا في الصحراء ، ويغيب ستة أشهر ، ثم يعود ولا يدري أحد أين ذهب . ولكن الناس يتناقلون قصصا غريبة عنه ، يحلف أحدهم أنه رآه في مروى في وقت معين . بينما يقسم آخر أنه شاهده في كرمه في ذلك الوقت نفسه - وبين البلدين مسيرة ستة أيام . ويزعم أناس أن الحنين برفقة من الأولياء السائحين الذين يضربون في الأرض يتعبدون والحنين قلما يتحدث مع أحد من أهل البلد ، وإن سئل أين يذهب ستة أشهر كل عام . لا يجيب . ولا أحد يدري ماذا يأكل وماذا يشرب ، فهو لا يحمل زادا في أسفاره الطويلة .
ولكن في البلد إنسانا واحد يأنس إليه الحنين ويهش له ويتحدث معه - ذلك هو الزين ، كان إذا قابله في الطريق عانقه وقبله على رأسه ، وكان يناديه " المبروك " . وكان الزين أيضا إذا رأى الحنين مقبلا ، ترك عبثه وهذره وأسرع إليه وعانقه . ولم يكن الحنين يأكل طعاما في بيت أحد ، إلا دار أهل الزين يسوقه الزين معه إلى أمه ويأمرها بصنع الغداء أو الشاي أو القهوة . ويظل الزين والحنين ساعات في ضحك وكلام ، ويحاول أهل البلد أن يعرفوا من الزين سر الصداقة التي بينه وبين الحنين فلا يزيد على قوله : " الحنين راجل مبروك " .
كانت للزين صداقات عديدة من هذا النوع ، مع أشخاص يعتبرهم أهل البلد من الشواذ ، مثل عشمانة الطرشاء ، وموسى الأعرج ، وبخيت الذي ولد مشوها ، ليست له شفة عليا ، جنبه الأيسر مشلول ، كان الزين يحنو على هؤلاء القوم ، إذا رأى عشمانة قادمة من الحقل وعلى رأسها حمل ثقيل من الحطب حمله عنها وهش لها وداعبها ، كانت فتاة تخاف من كل أحد ، إذا صادفت امرأة أو رجلا في طريقها ارتعبت وفزعت ، كأنهم وحوش مفترسة ، ولكنها كانت تأنس للزين وتضحك له ضحكتها البكماء المحزنة التي تشبه صياح الدجاج ، وموسى الذي لا يذكر الناس اسمه ولكنهم يسمونه الأعرج ، رجل طاعن في السن ، حين تراه مقبلا ينفطر قلبك من كثرة ما يعاني في مشيه ، الحياة بالنسبة له طريق متعب شاق ، كان عبدا رقيقا لرجل موسر في البلد ، ولما منحت الحكومة الرقيق حريتهم ، آثر موسى أن يبقى مع مولاه ، كان مولاه شغوفا به يحبه ويبره ويعامله معاملة الابن ، ولما توفي آلت الثروة إلى ابن سفيه ، فبددها وطرد موسى . وأدركته الشيخوخة وهو معدم لا أهل له ، ولا أحد يعنيه أمره . فعاش على حافة الحياة في البلد ، كما تعيش بعض الكلاب العجوزة الضالة ، التي تأوي إلى الخرابات في الليل ، وتبحث عن القوت نهاراً في فجوات الحي ، يتحرش بها الصبيان ، عطف الزين على هذا الرجل ، وبنى له بيتا من جريد النخل وأعطاه معزة ملبنة كان يأتيه في الصباح فيسأله كيف بات ليله ، ويأتيه بعد غروب الشمس ، مالئا جيوبه بالتمر وثوبه منتفخ بالطعام ، فيلقيه بين يديه ، وأحيانا يجيء ومعه وقية شاي أو رطل سكر أو شيء من البن ، وتسأل موسى الأعرج عن الصداقة التي بينه وبين الزين فيقول لك وفي عينيه غشاوة من الدمع: " الزين حبابه عشرة الزين ود حلال " . ويرى أهل البلد هذه الأعمال من الزين فيزداد عجبهم . لعله نبي الله الخضر لعله ملاك أنزله الله في هيكل آدمي زري ليذكر عباده أن القلب الكبير قد يخفق حتى في الصدر المجوف والسمت المضحك كصدر الزين وسمته .
وبعضهم يقول : " يضع سره في أضعف خلقه " . ولكن صوت الزين لا يلبث أن يرتفع مناديا : " يا أهل الغريق .. يا ناس الحلة . أنا مكتول ". فتتحطم هذه الصورة ، وتعود صورة الزين التي يألفها الناس ويؤثرونها .
كل هذا وفي الحي صبية حلوة ، وقورة المحيا ، غاضبة العينين ، تراقب الزين في عبثه ومزاحه وهزاره ، وجدته يوما في مجموعة من النساء يضاحكهن كعادته ، فانتهرته قائلة : " ما تخلي الطرطشة والكلام الفارغ تمشي تشوف أشغالك ؟ " وحدجت النساء بعينيها الجميلتين . سكت الزين عن الضحك وطأطأ رأسه حياء ثم أنسل بين النساء ومضى في سبيله .
***
لم تصدق آمنة أذنيها . وسألت حليمة بائعة اللبن ، للمرة العاشرة " فتي داير يعرس منو ؟ " وللمرة العاشرة قالت حليمة :" نعمة " مستحيل . لا بد أن الفتاة فقدت عقلها نعمة تتزوج الزين ؟ واختلطت الدهشة في صدر آمنة بالغضب وتذكرت بوضوح ذلك اليوم قبل شهرين حين بلغت كرامتها وتحاملت على نفسها وذهبت إلى أم نعمة ، كانت قد حلفت ألا تكلم سعدية بعد ذلك في حياتها ، فقد توفيت أم آمنة وجاء نساء البلد جميعا يعزينها إلا سعدية ، ولم تهتم آمنة أن سعدية كانت غائبة عن البلد في الوقت الذي توفيت فيه أمها . كانت مريضة في المستشفى في مروى حيث ظلت طريحة الفراش شهرا كاملا وحين عادت من مروى جاءت النساء جميعا يستفسرن عن صحتها إلا آمنة . وانقسم النساء فريقين ، فريق يخطئ سعدية ويقلن أن الواجب كان يحتم عليها أن تبدأ آمنة بالزيارة ، فالموت أكبر من المرض وفريق من النساء يتحزب لسعدية ، ويقلن أن أم آمنة بلغت أرذل العمر على أي حال ، والحي خير من الميت وزاد اللغط وتعقدت المشكلة ، وأصرت كل من المرأتين على رأيها ، وأصبحت آمنة لا تكلم سعدية وسعدية لا تكلم آمنة . حتى قبل شهرين حين أصر ابن آمنة عليها أن تذهب وتخطب نعمة . وبلعت المرأة كرامتها وتحاملت على نفسها ودخلت على سعدية في دراها . وقت الضحى وعلى النار قهوة تغلي ، وعلى المائدة فناجين وسكر وأشياء استقبلتها سعدية استقبالا فاترا ، وعرضت عليها القهوة بصوت بارد ، فرفضت آمنة ، ولم تزد سعدية ، لم تحلفها ولم تخصصها . لم تقل لها : " الرسول يتعرض لك النبي عليك ، الله يهديك تشربي القهوة " . لم تزد على جملة واحدة ، وتطلبت آمنة شجاعة كبيرة ، لكي تحدث سعدية في موضوع ابنها أحمد ، ونعمة ابنة سعدية ، عرقت وجفت وبلعت ريقها . , أخيرا قالت في صوت مرتعش وفي داخلها تلعن ابنها الذي عرضها لكل هذا الاحتقار : " سعدية أختي . أنا كت حالفه تاني الحاية ولا الممات ما يجيبني ليكي ، بحال أنت من دون الناس كلهم ابيتي تجي تعزيني في أمي . لكين برضه المؤمن مسامح .. دحيني يا ختي أنا عافالك . الغرض الجابني ليكي حسع ، الشيء الجيتك من شأنه ، أحمد ولدي أبو أحمد وأنا عندنا رغبة في نعمة لي أحمد " . ولما فرغت من حديثها ، شعرت بلسانها كقطعة من الخشب في فمها وأحست بحلقها قد تقلص فتنحنحت مرتين وارتعشت يداها . ولم تقل سعدية شيئا . لو أنها فاهت بكلمة واحدة لهدأ روع آمنة قليلا . سعدية دائما تشعرها بأنها أقل منها شأنا . أنها امرأة جميلة نبيلة الملامح والسلوك ، تحس وأنت تنظر إلى وجهها الوقور السمح بثروة أخوانها السبعة ، وأملاك أبيها الواسعة ونخل زوجها وشجره وبقره ومواشيه التي لا يحصيها العد . هذه المرأة لها أولاد ثلاثة تعلموا في المدارس واشتغلوا في الحكومة ولها بنت جميلة يتطلع إليها الفتيان ، والناس يذكرونها بالخير ، هذه المرأة القليلة الكلام ، لماذا لا تقول شيئا ؟ وأخيرا رفعت سعدية أهداب عينيها الطويلة ، ونظرت إلى آمنة نظرة لم تفهمها . لم يكن فيها غضب أو حقد أو عتاب أو ود . وقالت بصوتها الهادئ الذي لا يهتز ولا يثور : " إن شاء الله خير . طبعا الشورى عند أبو البت ، وقت يجي نكلمه " تذكرت آمنة كل هذا ، وتذكرت كيف أنهم رفضوا بعد ذلك ، والآن يزوجونها للزين - هذا الرجل الهبيل الغشيم ! يزوجونها للزين دون سائر الناس ، وشعرت آمنة كأن في الأمر إساءة موجهة يها شخصيا ، عن عمد ، وارتاعت حليمة بائعة اللبن حين لاحظت عيني آمنة تتسعان بالغضب ، وحسبت أن آمنة أدركت أنها غشتها اللبن ، فزادته وقالت لآمنة : " كمان ها كي دا زيادة عشان ما تزعلي " .
تتابعت الأعوام ، عام يتلو عاما ، ينتفخ صدر النيل ، كما يمتلئ صدر الرجل بالغيظ ويسيل الماء على الضفتين ، فيغطي الأرض المزروعة حتى يصل إلى حافة الصحراء عند أسفل البيوت ، تنق الضفادع بالليل ، وتهب من الشمال ريح رطبة مفعمة بالندى تحمل رائحة هي مزيج من أريج زهر الطلح ورائحة الحطب المبتل ورائحة الأرض الخصبة الظمأى حين ترتوي بالماء ورائحة الأسماك الميتة التي يلقيها الموج على الرمل ، وفي الليالي المقمرة حين يستدير وجه القمر يتحول الماء إلى مرآة ضخمة مضيئة تتحرك فوق صفحتها ظلال النخل وأغصان الشجر والماء يحمل الأصوات إلى أبعاد كبيرة ، فإذا أقيم حفل عرس على بعد ميلين تسمع زغاريده ودق طبوله وعزف طنابيره ومزاميره كأنه إلى يمين دارك . ويتنفس النيل الصعداء ، وتستيقظ ذات يوم فإذا صدر النيل قد هبط وإذا الماء قد انحسر عن الجانبين ، يستقر في مجرى واحد كبير يمتد شرقا وغربا ، تطلع منه الشمس في الصباح وتغطس فيه عند المغيب . وتنظر فإذا أرض ممتده ريانة ملساء ترك عليها الماء دروبا رشيقة مصقولة في هروبه إلى مجراه الطبيعي . رائحة الأرض الآن تملأ أنفك فتذكرك برائحة النخل حين يتهيأ اللقاح . الأرض ساكنة مبتلة ، ولكنك تحس أن بطنها ينطوي على سر عظيم ، كأنها امرأة عارمة الشهوة تستعد لملاقاة بعلها . الأرض ساكنة ولكن أحشاءها تضج بماء دافق هو ماء الحياة والخصب . الأرض مبتلة متوثبة ، تتهيأ للعطاء ، ويطعن شيء حادا أحشاء الأرض . لحظة نشوة وألم وعطاء . وفي المكان الذي طعن في أحشاء الأرض ، تتدفق البذور ، وكما يضم رحم الأنثى الجنين في حنان ودفء حب . كذلك ينطوي باطن الأرض على حب القمح والذرة واللوبيا ، وتتشقق الأرض عن نبات وثمر .
تذكر نعمة وهي طفلة أن النساء كن إذا جئن لزيارة أمها كن يجلسنها على حجورهن ، ويمسحن بأيديهن على شعرها الغزير المتهدل على كتفيها ، ويقبلنها على خدها وشفتها ويدغدغنها ، ويضممنها إلى صدورهن . وكانت تمقت ذلك ، وتتلوى في أذرعهن ، ومرة ضجرت عبث امرأة بدينة بها ، وشعرت بذراعي المرأة الغليظتين تنطبقان عليها ، كأنهما فكا حيوان مفترس ، وبردفي المرأة المثقلة وعطرها القوي ، كأنها تخنقها ، وتململت نعمة وحاولت أن تتخلص من قبضة المرأة . ولكن المرأة ضمتها إلى صدرها بقوة وانقضت على وجهها بشفتيها المكتنزتين تقبلها على رقبتها وعلى خدها ، وتشمها ، صفعتها نعمة على وجهها صفعة قاسية ، وذعرت المرأة وانفك ذراعاها وانفلتت نعمة وتركت الغرفة . ولما كبرت ولم تعد طفلة ، أصبحت رؤوس النساء والرجال على السواء تلتفت إليها ، حين تمر بهم في الطريق . لكنها لم تكن تأبه لجمالها ، وتذكر أيضا كيف أرغمت أباها أن يدخلها في الكُتَّاب لتتعلم القرآن . كانت الطفلة الوحيدة بين الصبيان . وبعد شهر واحد تعلمت الكتابة ، وكانت تستمع إلى صبيان يكبرونها يقرأون سورا من القرآن ، فتستفر في ذهنها ، وأقبلت على القرآن ، تحفظه بنهم ، وتستلذ بتلاوته وكانت تعجبها آيات معينة منه ، تنزل على قلبها كالخبر السار ، كانت تؤثر مما حفظته سورة الرحمن وسورة مريم وسورة القصص ، وتشعر بقلبها يعتصره الحزن وهي تقرأ عن أيوب وتشعر بنشوة عظيمة حين تصل إلى الآية وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا . وتتخيل رحمة امرأة رائعة الحسن متفانية في خدمة زوجها ، وتتمنى لو أن أهلها اسموها رحمة . كانت تحلم بتضحية عظيمة لا تدري نوعها ، تضحية ضخمة تؤديها في يوم من الأيام ، فيها ذلك الإحساس الغريب الذي تحسه حين تقرأ سورة مريم ونشأت نعمة طفلة وقورة ، محور شخصيتها الشعور بالمسؤولية ، تشارك أمها في أعباء البيت ، وتناقشها في كل شيء ، وتتحدث إلى أبيها حديثا ناضجا جريئا يذهله في بعض الأحيان ، كان أخوها الذي يكبرها بعامين يحثها على مواصلة التعليم في المدارس ويقول لها : " يمكن تبقي دكتورة ولا محامية " . ولكنها لم تكن تؤمن بذلك النوع من التعليم . تقول لأخيها وعلى وجهها ذلك القناع الكثيف من الوقار : " التعليم في المدارس كله طرطشة . كفاية القراية والكتابة ومعرفة القرآن وفرايض الصلاة " . ويضحك أخوها ويقول : " باكر يجي ود حلال يعرسك وتنفك مع حججك " . أفراد أسرتها يقولون لها هذا مع إحساس بالخوف ، فهم يدركون أن هذه الفتاة الغاضبة العينين الوقورة المحيا ، تضم صدرها على أمر تخفيه عنهم ، ولما بلغت السادسة عشرة و بدأت أمها تتحدث عن الفتيان الذين يصلحون أصهارا . ولكن نعمة تهز كتفيها ولا تقول شيئا . ولما جاءت آمنة إلى سعدية تحدثها في أمر زواج نعمة من أحمد وقالت لها سعدية : " الشورى عند أبو البت " كانت تعلم في قرارة نفسها أن ( الرأي ) لا لأحد غير نعمة نفسها . وكان لابد من خيارها . فهزت كتفيها وقالت : أنا لي الليلة ما بقيت للعرس ) وكان من العبث مناقشتها ، خاصة وأن سعدية لم تكن متحمسة لأن تصبح حماة لآمنة . لم يمض بعد ذلك وقت طويل حتى ظهر خطيب آخر : إدريس . فتيات كثيرات في البلد كن يتمنين أن يصبحن زوجات له فقد كان متعلما ، يعمل مدرسا في مدرسة ابتدائية . وكان دمث الأخلاق ، حسن السيرة بين أهل البلد ومع أن عائلته لم تكن من العوائل ذوات الأصل ، التي يشار إليها في البلد ، إلا أن أباه كون لنفسه مكانة بين الناس بجده وحسن عشرته كانت أسرة طيبة ميسورة الحال ، وكان حاج إبراهيم والد نعمة ، وأمها سعدية ، وأخوانها الثلاثة ، يميلون إلى قبول إدريس . بيد أن نعمة كان لها رأي غير ذلك . هزت كتفيها وقالت : " ما بدوره ) . واحتد حاج إبراهيم في كلامه معها وهم بصفعها . ولكنه توقف فجأة . شيء ما في محيا تلك الفتاة العنيدة قتل الغضب في صدره . لعله تعبير عينيها ، لعله التصميم الرزين على وجهها . وكأنما أحس الرجل بأن هذه الفتاة ليست عاقة ولا متمردة . ولكنها مدفوعة بإيعاز داخلي إلى الإقدام على أمر لا يستطيع أحد ردها عنه .
ومن يومها لم يكلمها أحد في أمر الزواج .
وكانت نعمة حين تفرغ نفسها وأفكارها ، وتخطر على ذهنها خواطر الزواج . تحس أن الزواج سيجيئها من حيث لا تحتسب . كما يقع قضاء الله على عباده . مثل ما يولد الناس ويموتون ويمرضون ، مثل ما يبيض النيل ، وتهب العواصف ، ويثمر النخل كل عام ، كما ينبت القمح ويهطل المطر وتتبدل الفصول كذلك سيكون زواجها ، قسمة قسمها الله لها في لوح محفوظ قبل أن تولد ، وقبل أن يجري النيل ، وقبل أن يخلق الله الأرض وما عليها ، لم تكن تحس بفرح أو خوف أو أسى حين تفكر في هذا ، ولكنها كانت تشعر بمسؤولية كبيرة ستوضع على كتفيها في وقت ما ، قد يكون قريبا ، وقد يكون بعيدا ، صاحباتها في الحي ، كل فتاة تشب وفي ذهنها صورة معينة عن الفارس الذي يربط فرسه ذات مساء ساجي الضوء خارج الدار ، ويدخل ويختطفها من بين أهلها ، ويهرب بها بعيدا إلى عوالم سحرية من السعادة ورغد العيش ، أما نعمة فلم ترتسم في ذهنها صورة محددة ، كبرت وكبر معها حب فياض ستسبغه يوما ما على رجل ما قد يكون الرجل متزوجا له أبناء ، يتزوجها على زوجته الأولى قد يكون شابا وسيما متعلما ، أو مزارعا من عامة أهل البلد مشقق الكفين والرجلين ، من كثرة ما خاض وضرب المعول ، قد يكون الزين ... وحين يخطر الزين على بال نعمة تحس إحساسا دافئا في قلبها ، من فصيلة الشعور الذي تحسه الأم نحو أبنائها ، ويمتزج بهذا الإحساس شعور آخر ، بالشفقة ، يخطر الزين على بالها كطفل يتيم عديم الأهل ، في حاجة إلى الرعاية ، أنه ابن عمها على كل حال ، وما في شفقتها عليه شيء غريب .
***
لم تكن أم الزين تبالي أين يقضي الزين ليله ، فقد كان كروح قلق ليس له مستقر ، حيثما أقيم عرس تجد الزين : في فريق الطلحة أو عند عرب القوز في قبلي أو بحري ، لا يحبسه برد ، ولا عاصفة تهب بالليل ولا النيل الطامي في موسم فيضانه ، تلتقط أذنه بحساسية نادرة زغاريد النساء على بعد أميال ، فيضع ثوبه على كتفه ويهرول كأن شيئا يجذبه إلى مصدر الصوت . وأحيانا يسطع النور فجأة من وراء كثبان الرمل ، حين تعدو السيارات آتية من أم درمان ، فإذا شخص نحيل يحب في الرمل يميل بجسمه إلى الأمام قليلا وعيناه تنظران إلى الأرض ، يحث الخطى متجها شرقا . يرى الركاب الزين فيعلمون أن ثمة حفل عرس في طرف الحي ، فإما صاحوا به حين يمرون عليه ، وأما أوقفوا السيارة وتحرشوا به . وأحيانا يسير وراءه كوكبة منهم ، وتقترب زغاريد النساء وتتضح معالمها . ويستطيع الزين أن يميز النساء . أية امرأة زغردت ، ثم تبدو الأنوار وتبدو أشباح مجتمعة تصعد وتهبط كأنها شياطين في وادي الجن . ثم يظهر الغبار الذي تثيره أرجل الناس في رقصها ، يتشبث بخيوط الضوء . وفجأة ينشق الليل عن نداء يعرفه كل أحد : " عوك يا أهل العرس ، يا ناس الرقيص الزين جاكم " . وإذا الزين قد قفز كالقضاء واستقر في حلقه الرقص . ويفور المكان فجأة فقد نفث فيه الزين طاقة جديدة . ومن بعيد يسمع المرء صيحاتهم يرحبون به : " ابشر . ابشر . حبابك عشرة " . وحين تموت أصوات النساء في حلوقهن ، وتطفأ الأنوار ، ويتراوح الناس إلى دورهم قبيل طلوع الفجر ، يسند الزين رأسه إلى حجر أو إلى جذع شجرة ، وينام برهة نوما خفيفا كنوم الطير . وحين يؤذن المؤذن لصلاة الفجر ، يقفل عائدا إلى أهله ، فيوقظ أمه لتصنع الشاي . بيد أن المؤذن قد أذن ذات صباح ، ولم يعد الزين . وأحمر الأفق الشرقي قبيل طلوع الشمس ، ثم ارتفعت الشمس قدر قامة الرجل ولم يعد الزين . وأحست أم الزين برجفة خفيفة في جنبها الأيسر فلم تستبشر خيرا . إنها تعتقد أن جنبها الأيسر إذا رجف فإن شرا سيلم بها أو بأحد ذويها لا محالة . وهمت أن تذهب لعم الزين . ولكنها سمعت حركة عند باب الحوش وسمعت باب الحوش الكبير يصر ، ثم سمعت خبطة قوية ، وفجأة رأت أمامها شيئا مريعا . فصرخت صرخة سمعها حاج إبراهيم أبو لحمة في رابع بيت وهو جالس على مصلاته يشرب قهوة الصباح . امتلأت الدار بالناس رجالا ونساء وحملوا أم الزين فاقدة الوعي . وانشق الناس نصفين . نصفا راح مع الأم ، ونصف أغلبهم من الرجال التفوا حول الزين ، كان على رأسه جرح كبير يصل إلى قريب من عينه اليمنى ، وصدره وثوبه وسرواله ملطخة بالدم . وفقد الناس رشدهم . وأخذ عبد الحفيظ يصيح في الزين وقد احمرت عيناه من الغضب : " كلمنا مين عمل فيك العملة دي ؟ مين الكلب المجرم الضربك ؟ " وتصارخت النساء وبعضهن أخذن في البكاء وكانت نعمة تقف عن بعد ، صامته ، وعيناها مركزتان على وجه الزين ، وقد حل محل الغضب فيهما حنو عظيم . وقال حاج إبراهيم : " الحكيم " . وكان للكلمة وقع الماء على النار ، فهدا عويل النساء وصاح محجوب : " الحكيم " وصاح عبد الحفيظ : " الحكيم " وانطلق أحمد إسماعيل على حماره ليحضره .
ولما عاد الزين من المستشفى في مروى حيث ظل أسبوعين كان وجهه نظيفا يلمع . وثيابه بيضاء ناصعة . وضحك فلم ير الناس كما عهدوا سنين صفراوين في فمه ، ولكنهم رأوا صفا من السنان اللامعة في فكه الأعلى ، وصفا من أسنان كأنها من صدف البحر في فكه الأسفل . وكأنما الزين تحول إلى شخص آخر . وخطر لنعمة وهي واقفة بين صفوف المستقبلين أن الزين في الواقع لا يخلو من وسامة .
وظل الزين بعد ذلك زمنا طويلا ، ولا حديث له إلا رحلته لمروى . كان يلذ له أن يجتمع حوله رفاقه القدامى ، محجوب ، وعبد الحفيظ ، وأحمد إسماعيل ، وحمد ود الريس والطاهر الرواسي ، وسعيد التاجر ، فيحكي لهم ما جرى له .
" أول ما وصلت يا زول قلعوني هدومي ولبسوني هدوما نظاف .. السرير يرقش . الملايات بيض زي اللبن والبطاطين والبلاط يزلق الكراع ... " وقاطعة محجوب متحرشا : " خلك من البطاطين والبلاط كرشك الكبيرة دي ملوها ليك بي شنو ؟ " وارتجف فم الزين كأنه مقبل على وليمة : " هلا هلا الأكل في استبالية مروى ولا بلاش . هو عاد جنس أكل . شيتن سمك شيتن بيض شيتن لحم شيتن دجاج " . وقاطعه محجوب مرة أخرى : " الأكل في الاستباليات ما قالوا شوية ؟ كيفن كت بتشبع ؟ " وابتسم الزين ابتسامة كبيرة ميدرة ، حتى يظهر أسنانه الجديدة : " بحال التمرجية كان صاحبتي قعد قدام الأكل " . وصاح عبد الحفيظ : " أي لا إله إلا الله ... آمسنوح . كمان مشيت تتعلبس على التمرجيات ؟ " وارتج جسم الزين بضحك مكتوم : " أي .. أي ... أمانة يا زول مي شافعتن سميحة " . وتدخل ود الرواسي بعد أن كان يستمع ويضحك دون أن يقول شيئا : " عليك الرسول ‍! الزين كدى وصفها لينا " . والتفت الزين خلفه كأنه يخاف أن يسمعه أحد وخفض صوته : " عليك أمان يا زول عليها كبر صلبن " . وانقطع حبل الحديث وقتا . فقد ضج المجلس بالضحك وحين استجمع حمد ود الريس أنفاسه قال ، وما يزال في صدره بقية من ضحك : " شن سويت معاها آمقطوع الطاري ؟ " واصل الزين حديثه كأنه لم يسمع هذا السؤال الأخير : " بنيتن سميحة من أمدرمان ، مرها ، ماها مشلخة " . وزحف ود الرواسي قريبا من الزين وأعاد سؤاله بطريقة أخرى : " أنت شن أوراك كبر صلبها ؟ " وقال الزين على الفور : ( قالوا لك أنا عميان ؟ الشي وقت يبقي قدامي ما بشوفه ؟ " وكأن محجوب سر من هذا الرد فقال وهو ينظر إلى ود الريس : " الداهي نجيض . ساكت قايلنه عويد ) . ووضع الزين يديه خلف رأسه ومال إلى الوراء قليلا ، ثم قال ببطء وعلى وجهه ابتسامة خبيثة : " دايرين يا جماعة تعرفو شن سويت لها ؟ " وقال ود الريس بلهفة : " الرسول الزين حدثنا شن سويت لها " . واتسعت ابتسامة الزين ، ثم فتح فمه ليتكلم ، فانعكس شيء من ضوء المصباح الكبير المعلق في دكان سعيد على أسنانه . وفجأة ، وفي وقت واحد ، قفز محجوب والطاهر الرواسي ، وحمد ود الريس . وصاح عبد الحفيظ : ( امسكوه ) . لكنه كان أسرع منهم في لمح البصر كان الزين قد أمسك بالرجل ورفعه في الهواء بعنف ثم رماه في الأرض ، ثم شده من رقبته وانكبوا كلهم عليه ، أحمد إسماعيل أمسك بذراعه اليمنى ، وعبد الحفيظ أمسك بذراعه اليسرى ، والطاهر الرواسي أمسك به من وسطه . وحمد ود الريس أمسك بساقيه ، وكان سعيد يزن شيئا في دكانه ، فخرج مشرعا وأمسك بساقي الزين أيضا ، لكنهم لم يفلحوا .
تدفقت في جسم الزين النحيل قوة مريعة جبارة لا طاقة لأحد بها أهل البلد جميعا يعرفون هذه القوة الرهيبة ويهابونها ، وأهل الزين يبذلون جهدهم حتى لا يستعملها الزين ضد أحد . أنهم يرتعدون روعا كلما ذكروا أن الزين أمسك مرة بقرني ثور جامح استفزه في الحقل ، أمسك به من قرنيه ، ورفعه عن الأرض كأنه حزمة قش وطرح به ثم ألقاه أرضا مهشم العظام ، وكيف أنه مرة في فورة من فورات حمساة قلع شجرة سنط من جذورها وكأنها عود ذرة . كلهم يعلم أن في هذا الجسم الضاوي قوة خارقة ليست في مقدور بشر : وسيف الدين .. هذه الفريسة التي انقض عليها الزين الآن ، أنه لا محالة هالك واختلطت أصواتهم برهة . كان الزين يردد في غضب ( الحمار الدكر لازم أكتله ) - والحمار الدكر أقصى ذم يلحقه الزين برجل . وارتفع صوت عبد الحفيظ في توتر وخوف : ( الرسول الزين عليك الله خليه ) . وأخذ محجوب يشتم في يأس . وكان أحمد إسماعيل أصغرهم سنا وأقواهم ، ولما أعيته الحيلة عض الزين في ظهره . وكان الطاهر الرواسي رجلا مشهورا بقوته ، كان في بحثه عن السمك في الليل يعوم النيل ذهابا وجيئة ويغطس في الماء نصف الساعة فلا ينقطع نفسه . لكن قوته لم تكن شيئا بجانب الزين . وفي ضوضائهم سمعوا شخيرا يصدر من حلق سيف الدين وأوه يضرب برجليه الطويلتين في الهواء . وصاح محجوب : " مات كتله " .
لكن صوت الحنين ارتفع هادئا وقورا فوق الضجة : ( الزين . المبروك . الله يرضى عليك ) وانفكت قبضة الزين ووقع سيف الدين على الأرض هامدا ساكنا ووقع الرجال الستة دفعة واحدة . فقد فاجأهم صوت الحنين وباغتهم الزين بسكوته المفاجئ فكأن حائطا أمامهم كانوا يدفعونه ، إنهد بغته ، ومضت برهة قصيرة جدا ، مقدار طرفة العين ساد فيها صمت كامل ، لا بد أنه كان صمتا مزيجا من رعب وحيرة وأمل ، بعد ذلك جاشت الحياة فيهم مرة أخرى وتذكروا سيف الدين ، أنكبت رؤوسهم عليه ، ثم صاح محجوب بصوت فرح مرتعش ( الحمد لله . الحمد لله ) وحملوا سيف الدين ووضعوه على كنبة أمام دكان سعيد وفي أصوات متوترة خافتة أخذوا يعيدونه إلى الحياة حينئذ فقط تذكروا الزين فرأوه جالسا على مؤخرته ويداه بين ركبتيه مطأطئاًَ رأسه ، وكان الحنين قد وضع يده على كتف الزين في حنان بالغ ، كان يتحدث إليه في صوت حازم لكنه مليء بالحب : ( الزين المبروك . ليه عملت كده ؟ ) .
وجاء محجوب وانتهر الزين ، لكن الحنين نظر إليه نظرة أسكنته . وبعد برهة قال محجوب للحنين : لو ما كت جيت يا شيخنا كان كتله ، وانضم إليهم أحمد إسماعيل والطاهر الرواسي ، وبقي عبد الحفيظ وسعيد التاجر وحمد ود الريس مع سيف الدين ، وبعد برهة قال الزين وهو ما يزال مطأطئ الرأس ، مرددا كلام محجوب : " إن كت ما جيت يا شيخنا كت كتلته ، الحمار الدكر ، وقت ضربني في رأسي بالفأس قايل ماش اسكت له " .
لم يكن في صوته غضب ، كان صوته أقرب إلى مرحه الطبيعي منه إلى الغضب ، وسرت في الحاضرين رعشة مرح خفيفة ، لكنهم ظلوا صامتين ، وقال الحنين : " لكين أنت ما كت غلطان ؟ ) .
وظل الزين صامتا ، فقال الحنين مواصلا كلامه ( متين سيف الدين ضربك بالفأس في رأسك ؟ فأجاب الزين ضاحكا ووجهه مشبع بالمرح : ( وصت عرس أخته ) . واستمر الحنين وفي صوته هو الآخر رنة مرح : ( شن سويت لي أخته يوم عرسها ؟ ) .
( أخته كانت دايراني أنا . مشو عرسوها للراجل الباطل داك )
وضحك أحمد إسماعيل بالرغم منه . وقال الحنين في صوت أكثر رقة وحنانا : ( كل البنات دايرتنك يا لمبروك . بارك تعرس أحسن بت في البلد دي ) . وأحس محجوب بخفقة خفية في قلبه . كان فيه رهبة دفينة من أهل الدين ، خاصة النساك منهم أمثال الحنين . كان يهابهم ويبتعد عن طريقهم ولا يتعامل معهم . وكان يحاذر نبوءاتهم ويحس بالرغم من عدم اهتمامه الظاهري ، بأن لها أثرا غامضا . ( نبوءات هؤلاء النساك لا تذهب هدرا ) ، يقول في سره لعل هذا هو الذي جعله يقول بصوت مرتفع فيه رنة واحتقار : ( منو البتعرس البهيم دا ؟ كمان على العلية ، داير يجيب لنا جنيه ) . ونظر الحنين إلى محجوب نظرة صارمة ، ارتعدت لها فرائض محجوب لولا أنه تشجع ، وقال : ( الزين مو بهيم الزين مبروك ، باكر يعرس أحسن بت في البلد ) . وفجأة ضحك الزين ضحكة بريئة ، ضحكة طفل ، وقال ( كت داير أموته ، الحمار الدكر يفلقني بالفاس علشان أخته دايراني أنا ؟ ) فقال الحنين يحزم : ( دحين دايزنك تصالحه . خلاص الفات مات ، هو ضربك ، وأنت ضربته ) . ونادى سيف الدين ، فجأة بقامته الطويلة وحوله سعيد وعبد الحفيظ وحمد ود الريس . فقال الحنين للزين ( قوم سلم فوق رأسه ) . فقام الزين دون أي اعتراض وأمسك برأس سيف الدين وقبله ، ثم أهوى على رأس الحنين وأشبعها قبلا وهو يقول : ( شيخنا الحنين . أبونا المبروك ) وكانت لحظة مؤثرة أثارت الصمت في نفوس أولئك الرجال ، ودمعت عينا سيف الدين وقال للزين : ( أنا غلطان في حقك ، سامحني ) وقام وقبل رأس الزين ثم أمسك بيد الحنين وقبلها ، وجاء الرجال كلهم ، محجوب ، وعبد الحفيظ وحمد ود الريس ، والطاهر الرواسي ، وأحمد إسماعيل ، وسعيد التاجر ، كل واحد منهم أمسك بيد الحنين في صمت وقبلها . وقال الحنين بصوته الرقيق الوديع : ( ربنا يبارك فيكم ربنا يجعل البركة فيكم ) ووقف وأمسك إبريقه في يده . فسارع محجوب يستضيفه : ( لازم تتعشى معانا الليلة ) لكن الحنين رفض بلطف وقال وهو يمسك بيده الأخرى كتف الزين : ( العشا في بيت المبروك ) ، وغابا معاً في الظلام . رف على رأسيهما برهة قبس من ضوء المصباح المعلق في دكان سعيد ، ثم انزلق الضوء عنهما كما ضوء المصباح المعلق في دكان سعيد . ثم انزلق الضوء عنهما كما ينزلق الرداء الحريري الأبيض عن منكب الرجل . ونظر محجوب إلى عبد الحفيظ ونظر سعيد إلى سيف الدين ، ونظروا كلهم بعضهم إلى بعض وهزوا رؤوسهم .
بعد هذا الحادث بأعوام طويلة ، حين أصبح محجوب جداً لأحفاد كثيرين . كذلك أصبح عبد الحفيظ والطاهر الرواسي والباقون ، وحين أصبح أحمد إسماعيل أبا وصارت بناته للزاوج ، كان أهل البلد - وبينهم هؤلاء - يعودون بذاكرتهم إلى ذلك العام ، وإلى حادث الزين والحنين وسيف الدين الذي وقع أمام دكان سعيد ، الذين اشتركوا في ذلك الحادث يذكرونه برهبة وخشوع ، بما فيهم محجوب الذي لم يكن يأبه لشيء من قبل ، لقد تأثرت حياة كل واحد من أولئك الرجال الثمانية ، يستعيدون فيما بينهم . آلاف المرات تفاصيل الحادث . وفي كل مرة ، كانت الحقائق تتخذ وقعا أكثر سحرا . يذكرون في عجب كيف أن الحنين هل عليهم من حيث لا يعلمون ، في اللحظة ، عين اللحظة ليس قبل ولا بعد ، حين ضاقت قبضة الزين على خناق سيف الدين وكادت تودي به ، بل أن بعضهم يجزم أن سيف الدين قد مات بالفعل : لفظ نفسه الأخير ، ووقع على الأرض جثة هامدة ، وسيف الدين نفسه يؤكد هذا الزعم ، يقول أه مات بالفعل ، وفي اللحظة التي ضاقت فيها قبضة الزين على حلقه ، يقول أنه غاب عن الدنيا البتة ، ورأى تمساحا ضخما في حجم الثور الكبير فاتحا فمه . وانطبق فكا التمساح عليه ، وجاءت موجة كبيرة كأنها الجبل فحملت التمساح في هوة سحيقة ليس لها قرار ، في هذا الوقت ، يقول سيف الدين أنه رأى الموت وجها لوجه ، ويجزم عبد الحفيظ ، وقد كان أقرب الناس إلى سيف الدين حين عاد إلى وعيه ، أن أول كلمات فاه بها ، حين جاش النفس في رئتيه من جديد ، أول شيء تفوه به حين فتح عينيه ، أنه قال : " أشهد إلا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله " .
ومهما يكون فمما لا شك فيه أن حياة سيف الدين ، منذ تلك اللحظة ، تغيرت تغيرا لم يكن يحلم به أحد ، كان سيف الدين الابن الوحيد للبدوي الصائغ - سمي الصائغ لأن تلك كانت حرفته في بداية حياته ، ولما أثرى ولم يعد صائغا لصق به الاسم فلم يفارقه ، كان البدوي رجلا موسرا ، ولعله أثرى رجل في البلد ، جمع بعض ثروته بعرق جبينه ، من الصياغة والتجارة والسفر ، وبعضها آل إليه عن طريق زوجته . كان كما يقول أهل البلد . رجلا ( أخضر الذراع ) لا يمس شيئا إلا تحول بين يديه إلى مال ، في أقل من عشرين عاما ، كون من العدم . ثروة بعضها أرض وضياع ، وبعضها تجارة منتشرة على طول النيل من كرمه إلى كرمه ، وبعضها مراكب موسقة بالتمر والبضائع تجوب النهر طولا وعرضا ، وبعضها ذهب كثير تلبسه زوجته وبناته في شكل حلي يملأ رقابهن وإيديهن . ونشأ سيف الدين ولداً واحداً بين خمس بنات ، تدلله أمه ، ويد لله أبوه ، وتدلله أخواته الخمس . فكان لا بد أن يفسد ، أو كما يقول أهل البلد ، كان لا بد أن ينشأ هشا رخوا ، كالشجيرة التي تنو في ظل شجرة أكبر منها . لا تتعرض للريح لا ترى ضوء الشمس ، مات البدوي وفي حلقه غصة مريرة من ابنه . أنفق عليه مالاً كثيراً لكي يتعلم . فلم يفلح وأنشأ له متجراً في البلد فأفلس في شهر ، ثم الحقه بورشة ليتعلم الصناعة فهرب . وبعد لأي ، ووساطة وتشفع نجح في تعيينه موظفا صغيرا في الحكومة لعله يتعلم كيف يعتمد على نفسه . لكن لم تمضي أشهر حتى جاءته الأنباء تترى . من أفواه الأعداء والأصدقاء . من الشامتين والمشفقين على السواء أن ابنه يبيت ليله كله في خماره ولا يرى المكتب إلا مرة أو مرتين في الأسبوع . وأن رؤساءه أنذروه مراراً وهددوا بفصله من العمل ، فسافر الرجل إلى المدينة وعاد يسوق ابنه كالسجين وحلف ليسجننه طول حياته في الحقل - كالعبد الرقيق . هكذا قال .
ومضى عام على سيف الدين وهو يجمع العلف للبقر ويرعى الماشية على أطراف الحقل سحابة نهاره . يزرع ويحصد ويقطع ويتأوه . ومع ذلك فلم يعدم تلسية بالليل . كان يعرف أماكن صنع الخمر . ويصادق الجواري اللائي يصنعنها - ( الخدم ) : كما يقول أهل البلد كن رقيقا أعطي حريته . بعضهن هاجرن من البلد وتزوجن بعيدا عن موطن رقهن ، وبعضهن تزوجن الرقيق المعتقين في البلد وعشن حياة كريمة بينهن وبين سادتهن السابقين ود وتواصل وبعضهن لم تستهوهن حياة الاستقرار فبقين على حافة الحياة في البلد . محطا لطلاب الهوى واللذة . والحق أن مجتمع الجواري هذا كان شيئا غريبا . فيه روح المغامرة والتمرد والخروج على المألوف . هناك في طرف الصحراء بعيدا عن الحي ، تقبع بيوتهن المصنوعة من القش . بالليل حين ينام الناس . ترتعش من فرجاتها أضواء المصابيح وتسمع منها ضحكات مخمورة نشوى . ضاق بها أهل البلد فأحرقوها ، لكنها عادت إلى الحياة مثل نبات الحلفا . لا يموت . وطردوا سكانها وعذبوهم بشتى السبل . لكنهم لم يلبثوا أن تجمعوا من جديد كالذباب الذي يحط على بقرة ميتة
وكم من شاب مراهق ، خفق قلبه في جنح الظلام حين حمل إليه الليل ضحكات الجواري وصياح المخمورين . في تلك ( الواحة ) على حافة الصحراء . بشيء مخيف ، لذيذ رهيب ، يغري بالاستكشاف . ولم يكن عسيرا على سيف الدين أن يجد طريقه إليها . هنالك كان يقضي لياليه ، وكانت له من بينهن خليلة . كل هذا تحمله أبوه في صبر . كانت الأخبار تأتيه ، فكان يتغاضى أحيانا ، وأحيانا يثور . لكن صبره نفذ حين جاء سيف الدين ذات ليلة ، وهو على سجادته بعد صلاة العشاء . كان تفوح من فمه رائحة الخمر ، وقال له ، بصوت أجش من فعل الشراب والسهر ، أنه يحب الساره ( إحدى الجواري ) ويريد أن يتزوجها ، اسودت الدنيا في وجه الرجل وفقد صوابه ، ابنه الوحيد سكران ، فاسق ، يقول له ، وهو على مصلاته ، أنه " يحب " - الكلمة التي تثير في عقول الآباء في البلد كل معاني البطالة والخمول وعدم الرجولة - وأنه يريد أن يتزوج جارية ماجنة فارغة العين ... قام الأب وهو بين الحياة والموت . وحلف الأب أن الولد الفاسق - هكذا قال - لا يبيت ليلة واحدة تحت سقف بيته ، وأنه ليس ابنه وأنه براء منه . قضى سيف الدين ليلته في بيت خاله ، وفي الصباح اختفى . وعاش البدوي الصائغ بقية حياته مثل رجل به عاهة . كان الألم يحز في قلبه ، ووجهه معروق كوجوه المرضى بالسل ، كان يقول أن ابنه مات ، وكان أحيانا إذا خانه لسانه وذكر ابنه ، يذكره كأنه مات بالفعل .
وكانت تترى على البلد أخبار مريعة عن سيف الدين ، كيف أنه سجن في الخرطوم بتهمة السرقة وكيف أنه اتهم مرة بقتل رجل في بور سودان وكاد يشنق لولا أنهم وجدوا القاتل الفعلي في النهاية وكيف أنه يعيش " صائعا " سفيها فاسقا مع العاهرات في كل مدينة يحل فيها . يقولون مرة أنه يعمل حمالا يحمل بالات القطن على ظهره في الميناء . ومرة يقولون أنه يعمل سواقا لسيارة شاحنة بين الفاشر والأبيض وأحيانا يقولون أنه يزرع القطن في طوكر ، وحاول أعمامه وأخواله إقناع أبيه بأن يكتب وصية يترك فيها ثروته كلها لزوجته وبناته . كل الرجال العقلاء في البلد أمّنوا أيضا على صواب هذا الرأي لكن الأب كان يتهرب دائما ويتعلل بأنه سيفعل ذلك حين يدنو أجله ، وأنه ما زال قويا لا حاجة به إلى كتابة وصية . لكن الرجال العقلاء كانوا في مجالسهم يهزون رؤوسهم حسرة ، ويقولون أن البدوي ما زال يأمل أن ابنه سيعود إلى صوابه . شيء ما : لم يفهمه أهل البلد ، منع الرجل من اتخاذ الخطوة الحاسمة : حرمان ابنه من الميراث .
وفي ليلة من ليالي شهر رمضان ، مات البدوي على مصلاته بعد أن صلى التراويح . كان رجلا طيبا فمات ميتة كل الرجال الطيبين : في شهر رمضان ، في الثلث الأخير منه ، وهو الثلث الأكثر بركة ، على مصلاته ، بعد أن صلى التراويح ، وهز أهل البلد رؤوسهم وقالوا " يرحم الله البدوي . كان رجلا طيبا . كان يستاهل أبناء خيرا من ابنه الفاسق ذاك " . وذات يوم . والناس ما زالوا على ( فراش البكاء ) وقد فرغوا لتوهم من إقامة ( الصدقة ) دخل عليهم سيف الدين . كان يحمل في يده عصا غليظة من النوع الذي يستعمل في شرق السودان ، ولم يكن معه متاع على الإطلاق . كان شعره منفوشا كأنه شجيرة سيال ، ولحيته كثة متسخة ووجهه وجه رجل عاد من الجحيم ، لم يسلم على أحد ، وتجنبته كل العيون ، لكن عمه الأكبر قام وبصق على وجهه ، ولما وصل النبأ بقدومه إلى أمه في الجناح الآخر من البيت وهي وسط الحريم على ( فراش البكاء ) وولولت من جديد كأن زوجها مات لتوه . وولولت أخوات سيف الدين ، وعماته وخالاته وفار جناح الحريم في البيت وماج . إلا أن العم قام إليهن وانتهرهن فسكتن .
كل هذا لم يمنع سيف الدين أن يضع يده على أموال أبيه ، كل ما استطاع عمله أعماله وأخواله أنهم خلصوا نصيب أمه وأخواته ، وبقي لب الثروة في يده . هنا أيضا تبدأ حياة العذاب لموسى صديق الزين - موسى الأعرج - كما يسميه أهل البلد . طرده سيف الدين بحجة أنه لم يعد رقيقا . وأنه ليس مسؤولا عنه . وعاش سيف الدين بعد هذا حياة مستهترة . زاد في استهتارها توفر المال في يده . كان في سفر متواصل ، ومرة في الشرق ومرة في الغرب ، يقضي شهرا في الخرطوم وشهرا في القاهرة وشهرا في أسمرا ، ولا يجيء البلد إلا لبيع أرضا أو يتخلص من ثمر ، كان نوعا من الناس لم يعرفه أهل البلد في حياتهم ، يجافونه كما يجافي المريض بالجذام . حتى أقرب الناس إليه . أعمامه وأخواله لم يكونوا يأمنونه في بيوتهم ، فسدوا الباب في وجهه مخافة أن يفسد أبناءهم أو يفسق ببناتهم ، وفي إحدى زياراته المتقطعة للبلد وجد عرس أخته - فإن أهله كانوا يتجنبون حضوره لأفراحهم ولم يكن هو بطبعه يحضر مأتما . وكاد ذلك العرس ينقلب بسببه إلى مأساة . أولاً حادثة الزين . جاء الزين كعادته في مرحه وهذره ولم يكن أحد يأبه له . لكن سيف الدين لم يعجبه ذلك فضربه بفاس على رأسه وكادت المسألة تنتهي بالسجن . لولا تدخل العقلاء من أهل البلد الذين قالوا أن سيف الدين لا يستحق الوقت الذي ينفقونه عليه في المحاكم. ثانيا : كاد العريس يغير رأيه في آخر لحظة لأنه تشاجر
مع سيف الدين أخي العروس ومرة أخرى تجمع العقلاء من أهل البلد ، بما فيهم أبو العريس ، وقالوا إن سيف الدين ليس منهم

    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 16 ديسمبر 2018, 10:31